الموروث الشفهي العماني

جدول محتويات المقال

0
(0)

حين تطأ قدماك باحة قلعة أثرية أو تتأمل خنجراً فضياً مصقولاً خلف زجاج متحفي، فإن ما تراه لا يمثل سوى النصف المادي من الحكاية العُمانية؛ فهناك نصف آخر غير مرئي يسكن في نبرات الأصوات، وأوزان القوافي، وترانيم الأمهات، وحكايات السمر التي توارثتها الصدور جيلاً بعد جيل. إن الموروث الشفهي العماني هو الروح الحية التي نفخت المعنى في تلك الحجارة الصامتة، وهو المستودع الوجداني الذي حفظ تاريخ أمة بأكملها قبل أن تنتشر المطابع ووسائل التوثيق الحديثة.

يمتاز هذا التراث غير المادي بكونه عصياً على الحبس في قاعات العرض التقليدية؛ إذ لا تستطيع فاترينة زجاجية أن تحتضن صدى رزحة حماسية، ولا يمكن لرف خشبي أن يختزل حكمة مثل شعبي صيغ في لحظة مواجهة إنسانية فارقة. إنه تراث يتجدد كلما نطق به لسان، ويتنفس في تفاصيل الحديث اليومي لأهل القرى والبوادي والسواحل في سلطنة عُمان.

إذا كنت شغوفاً بسبر أغوار الثقافة الأصيلة وتود أن تفهم ما وراء الجدران والآثار المعمارية، فإن هذا الدليل المرجعي يأخذك في رحلة عميقة لاستكشاف عوالم الكلمة المنطوقة، وفنون الأداء الصوتي، والأسرار التي جعلت هذا التراث الشفهي صامداً في وجه عواصف النسيان.

ما الذي يعنيه مفهوم الموروث الشفهي العماني والتراث غير المادي؟

يُعرّف التراث غير المادي، وفق المنظور الأنثروبولوجي ومواثيق منظمة اليونسكو، بأنه مجموع الممارسات والتعبيرات والمعارف والمهارات التي تعترف بها المجتمعات والجماعات بوصفها جزءاً لا يتجزأ من هويتها الثقافية، وتتناقلها شفهياً من سلف إلى خلف دون الاعتماد الحصري على التدوين الورقي.

في السياق العُماني، يمثل الموروث الشفهي وثيقة تاريخية واجتماعية حية عكست على مدار القرون علاقة الإنسان ببيئته القاسية وتفاعله مع البحر والجبل والصحراء. إنه المرجعية الأخلاقية والمعيار اللغوي الذي حكم التعاملات الإنسانية ونظم العلاقات القبلية وضبط أعراف الأسواق ومسارات الأفلاج.

وتتنوع تجليات هذا الموروث لتشمل طيفاً واسعاً من التعبيرات الفنية والشعبية التي تلخص الفلسفة الحياتية للمجتمع العُماني عبر العصور:

فرع الموروث الشفهيالوسيط اللفظي والأدائيالوظيفة المجتمعية والتربوية
الحكايات الشعبية (الخاروفات)السرد القصصي المنبري والمنزلي المسائيتمرير القيم الأخلاقية وتفسير الظواهر الطبيعية وتنمية الخيال
الأمثال الشعبية السائرةالعبارة المكثفة والموجزة في سياق الحديث اليوميفض النزاعات وتلخيص التجارب الحياتية وتوجيه السلوك الاجتماعي
الشعر الشعبي والميدانالجناس المتقن وأوزان الشعر النبطي والتضمين اللغويتسجيل المعارك والبطولات والتعبير عن العاطفة الوجدانية والرمزية
فنون الرزحة والعازيالترديد الجماعي الحماسي مع السيوف والطبولإعلان التضامن القبلي والفخر الوطني والترحيب بالأعياد والضيوف
الأهازيج وشلات العملالغناء الإيقاعي الفردي والجماعي المتزامن مع الجهد البدنيتخفيف مشقة العمل في البحر والحقل وتنسيق الحركة العضلية للعمال

هذا التنوع الهائل يثبت أن الكلمة الشفهية لم تكن مجرد وسيلة تسلية لملء الفراغ، بل كانت مؤسسة تعليمية وإعلامية وتشريعية متكاملة الأركان تدير شؤون المجتمع في حله وترحاله.

الحكايات الشعبية العُمانية وعوالم المرويات الخرافية والواقعية

تُعرف الحكاية الشعبية في اللهجة العُمانية بـ«الخاروفة» (أو الخرّوفة)، وهي نسيج قصصي ساحر يجمع بين الخيال الخارق والواقع الاجتماعي المعاش. كانت الجدات والأمهات في بيوت الطين يجلسن حول موقد النار أو في باحة الفناء تحت النجوم ليروين للأطفال هذه الحكايات التي تشكل أولى لبنات تشكيل الوعي اللغوي والأخلاقي للنشء.

تنقسم الحكايات الشعبية العمانية إلى نوعين رئيسيين؛ الأول هو حكايات الحيوان والرموز الأسطورية، مثل حكايات «الدعيدع» و«سلوى» و«بودرياه» في المناطق الساحلية، والتي كانت تُوظف لضبط حركة الأطفال وتنبيههم من الاقتراب ليلاً من مياه الآبار العميقة أو شواطئ البحر الصخرية الخطرة.

أما النوع الثاني، فهو السير والملاحم الواقعية التي تروي مغامرات القوافل عبر الصحراء، وقصص النجاة من مهالك الأودية الجارفة، ومواقف الشهامة والشجاعة في حماية الجار وإغاثة الملهوف. تمتاز هذه الحكايات ببنية سردية شائقة تعتمد على التكرار الموسيقي للجمل الاستفتاحية والختامية، مما يسهل على الطفل حفظها وترديدها لاحقاً لأقرانه.

الأمثال ودلالاتها الاجتماعية في البيئة العمانية

يمثل المثل الشعبي في عُمان ميزاناً حكيماً يُحتكم إليه في المجالس لإنهاء الخصومات واختصار شروحات طويلة في كلمات معدودة تصيب كبد الحقيقة. تنبع قوة الامثال العمانية من واقعيتها الشديدة واستلهامها المباشر من عناصر البيئة المحلية مثل النخلة، والجمل، والفلج، وموسم القيظ، والبحر.

يقول العُماني مثلاً: «يوم تسلم ناقتي ما عليّ من رفاقتي»، ويضرب للدلالة على الأنانية المذمومة وتذكير المرء بأن نجاة الفرد لا تكتمل إلا بنجاة الجماعة. ويقال: «سير بعيد وتعال سالم»، في ترسيخ لقيمة الحذر وتجنب مواطن الشبهات والفتن.

كما تعكس الأمثال فلسفة التكافل الاجتماعي المرتبطة بتقسيم مياه الأفلاج، مثل المثل الشائع: «شربي يا نفعة من بعد ما تروى الزرع»، مما يؤكد أن المجتمع العُماني قد صاغ تشريعاته العرفية وتوجيهاته التربوية في قوالب لغوية بليغة يسهل تداولها وحفظها على ألسنة العامة والخاصة على حد سواء.

الشعر الشعبي والنبطي: ديوان الذاكرة والتاريخ

إذا كان العرب قديماً قد قالوا إن الشعر ديوانهم، فإن الشعر النبطي في عمان هو السجل الموثق لأدق تفاصيل الحياة السياسية والقبلية واليومية؛ حيث لم يكن الشاعر مجرد أديب ينظم الأبيات للمتعة، بل كان لسان حال جماعته وراوي وقائعها وناقل رسائلها إلى الحواضر والمحافظات المجاورة.

ينفرد الشعر الشعبي العُماني بتنوع بحوره وأوزانه المعقدة، وفي طليعتها فن «الميدان» الذي يعد ذروة العبقرية اللغوية؛ إذ يبنى على رباعيات شعرية موشحة بجناس تام خفي لا يدرك معناه إلا ذوو الفطنة والذوق الرفيع، حيث تبدو الكلمات متطابقة لفظاً لكنها تختلف تماماً في الدلالة والبناء المعنوي.

كما يبرز فن «المسبّع» وفن «الونة» ذو النبرة الشجية التي يشدو بها البدو فوق ظهور الإبل وهم يقطعون رمال الشرقية الشاسعة، معبرين عن حنينهم لمراتع الأهل وواحات النخيل، مما يجعل من القصيدة رفيقاً لا غنى عنه للمسافر يطرد وحشة الطريق بطيب القوافي الشجية.

الأهازيج وفنون الأداء: عندما تتحول الكلمة إلى إيقاع جماعي

لا ينفصل الموروث الشفهي العماني عن الحركة واللحن؛ فالكلمة المنطوقة تكتسب قوتها الكاملة عندما تمتزج بالضربات الموزونة للطبول التراثية وحركات السيوف والبنادق في تناغم بصري وصوتي يأسر الألباب. وتعد الاهازيج والفنون الشعبية المرآة الصادقة للاحتفالات الوطنية والاجتماعية.

فن الرزحة: وقار السيف وبلاغة المحاورة

يعد فن الرزحة الفن التقليدي الأوسع انتشاراً وأعمقها دلالة في شمال سلطنة عُمان ووسطها. يصطف الرجال في صفين متقابلين متماسكين، يتقدمهم المبارزون بالسيوف والتروس الجلدية (الكت)، على وقع طبلين رئيسيين هما «الكاسر» السريع الإيقاع و«الرحماني» العميق الرنين.

تبدأ الرزحة غالباً بنمط «الهَمْبَل» السريع أثناء المسير، ثم تتدرج إلى «القصّافي» ثم «اللال البطيء»؛ حيث يتبارى كبار الشعراء في إلقاء مطالع شعرية ارتجالية تتناول موضوعات الشجاعة والمديح والحكمة، ويتلقف الصف المقابل الشطر الشعري ليرد عليه ببديهة حاضرة وإيقاع رصين يجمع بين فخامة اللفظ ومهابة الحضور.

فن العازي: ترانيم الفخر والولاء

إذا كانت الرزحة فناً حوارياً بين صفين، فإن فن «العازي» يمثل قصيدة الفخر الفردية المطلقة التي يتصدرها شاعر مفوه يسمى «المُعَزّي». يقف الشاعر منفرداً حاملاً سيفه المسلول بيمينه وترسه بشماله، محاطاً بدائرة واسعة من الرجال الذين يحملون البنادق والسيوف المرفوعة.

ينشد الشاعر أبياتاً مقفاة تفيض بالاعتزاز بالوطن، والمديح، ومكارم الأخلاق، ويتوقف بعد كل بيت أو بيتين لتصدح الدائرة المحيطة بصوت جهوري واحد بهتاف: «وسلّمْت!» أو «والملك لله يدوم!»، في مشهد مهيب يجسد أقصى درجات الانضباط اللفظي والسمعي والولاء الجماعي، مما جعل اليونسكو تدرجه بجدارة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

فنون البحر والشلات البحرية: مواويل السفر والموج

على امتداد الساحل العُماني العريق من مطرح وصور إلى مصيرة ومرباط، صاغ البحارة موروثاً صوتياً فريداً يعرف بفنون «النهمة» وشلات العمل على السفن الخشبية (الغنجة والسنبوق). كان «النهّام» هو منشد السفينة وصوتها الشجي الذي يبث الحماس في سواعد البحارة وهم يرفعون الأشرعة أو يسحبون المراسي الثقيلة من الأعماق.

تمتاز أهازيج البحر بنبرة تدمج بين الشوق للأهل والدعاء بالتيسير والسلامة من أهوال العواصف، مستخدمة إيقاعات بحرية متلاطمة تحاكي حركة الأمواج وصرير الأخشاب، لتشكل شاهداً صوتياً نادراً على تاريخ التجارة البحرية العُمانية التي ربطت موانئ مسقط وظفار بزنجبار والهند والصين.

من كان يحفظ هذا الموروث وينقله عبر الأجيال؟

في غياب المؤسسات الأكاديمية والوسائط السمعية المعاصرة، اعتمدت الرواية الشفهية في بقائها على فئات مجتمعية تميزت بقوة الحافظة، وحسن الإلقاء، والمكانة الاعتبارية المرموقة التي جعلت منها مستودعات حية للذاكرة الوطنية.

يأتي في مقدمة هؤلاء «رواة الحارة» وشيوخ القبائل الذين حفظوا الأنساب، ووقائع المعاهدات، وحدود الأراضي، وتفاصيل ملكيات المياه. وكان هؤلاء الرواة يتمتعون بملكة استحضار الشواهد الشعرية فوراً لتأكيد صدق روايتهم التاريخية أمام الحضور.

وعلى الصعيد المنزلي والتربوي، لعبت الجدات دور الحاضنة الأولى للموروث؛ حيث حفظن الأمثال وأغاني المهد («الترقيع» و«التهويد») التي تغرس حب الأرض والأهل في مسامع الرضع، فضلاً عن معرفتهن العميقة بوصفات الطب الشعبي المروية شفاهاً، مما جعل من البيوت مدارس أولى لتناقل الثقافة غير المادية بكل عفوية وصدق.

دور المجلس والسبلة في نقل الرواية الشفهية وتدريب النشء

لم تكن المجالس العامة مجرد مقرات لاستقبال الضيوف وتناول القهوة، بل كانت أكاديميات مفتوحة يتعلم فيها الفتى العُماني أصول الحديث، وآداب الاستماع، وبلاغة الرد قبل أن يبلغ سن الرشد.

في السبلة، يجلس الصغار في أطراف المجلس يراقبون بصمت مهيب كيف يدير الكبار النقاش، وكيف تُلقى القصائد، وكيف تُستحضر الأمثال لتهدئة النفوس وتصويب الآراء. ومن خلال تكرار حضور هذه الجلسات اليومية، تترسخ مفردات الفصاحة وسلامة النطق في وجدان الناشئة عبر المحاكاة المباشرة دون الحاجة لتلقين نظري مجرد.

وقد شكلت هذه البيئة الاجتماعية الحاضنة ضمانة لاستمرار التقاليد والسنن العرفية؛ وللتعرف على المنظومة السلوكية والمعمارية لهذه الفضاءات العريقة، ندعوك لقراءة مقالنا المفصل حول المجالس العُمانية والسبلة وكيف أرست قواعد الضيافة والتربية المدنية في المجتمع العماني عبر العصور.

لماذا يعد الموروث الشفهي الأصعب في الحفظ والصون؟

إذا كانت القلاع والحصون الحجرية تصمد لمئات السنين في وجه الرياح والأمطار حتى مع قلة الصيانة، فإن التراث الشفهي هش للغاية وسريع الزوال؛ لأنه محمول في ذاكرة بشرية فانية تنتهي برحيل أصحابها.

يواجه الموروث اللامادي اليوم تحديات جسيمة، أبرزها التحولات الاجتماعية السريعة، وتراجع دور العائلة الممتدة لصالح الأسر النووية، وغزو الشاشات الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي التي خطفت أوقات السمر والحديث العائلي، فضلاً عن طغيان اللهجات الهجينة والمفردات المعولمة على ألسنة الأجيال الجديدة.

عندما يرحل راوٍ مسن يمتلك في صدره مئات الحكايات والأهازيج النادرة دون أن تُسجل صوته جهة ما، فإن ذلك يعادل احتراق مكتبة مخطوطات تاريخية كاملة لا يمكن استرجاع محتواها أبداً، وهو ما يضع على عاتق المهتمين والمؤسسات الثقافية واجباً وطنياً ملحاً لسرعة الجمع والتوثيق الميداني المباشر.

كيف يُوثَّق التراث غير المادي اليوم وما هي مبادرات صونه؟

أدركت سلطنة عُمان مبكراً خطورة اندثار هذه الكنوز المعنوية، فأنشأت مراكز متخصصة لجمع التاريخ الشفوي وحفظ الموسيقى التقليدية عبر التسجيل الصوتي والمرئي عالي الدقة في شتى الولايات، إلى جانب نجاحها المشهود في إدراج فنون كالبرعة والعازي والرزحة في سجلات التراث العالمي التابعة لليونسكو.

ولا يقتصر هذا الجهد على المؤسسات الحكومية وحدها؛ بل تؤدي المبادرات الأهلية دوراً لا يقل أهمية في إحياء هذا الإرث؛ حيث تسهم المتاحف المستقلة في ربط المقتنى المادي بروايته الأصلية. وإذا أردت التعرف على دور المواطنين في الحفاظ على هذا التراث الوطني الثري، فيمكنك استكشاف دليلنا الشامل حول المتاحف الخاصة في عُمان وقصص تأسيسها وشغف أصحابها في جمع الذاكرة الوطنية.

إن الرواية الشفهية الحقيقية تُحفظ وتزدهر عادة داخل العائلات العريقة التي تناقلت أسرار المكان وحوادثه يداً بيد لا في الأرشيفات الرسمية الجامدة، وإن المتاحف العائلية والمؤسسات الثقافية الأهلية تحمل اليوم هذا الجانب الإنساني غير المكتوب الذي يضيء تاريخ عُمان الحقيقي. ومن هنا انطلقت رؤية مجموعة بيت الغشام في الجمع بين أصالة المعمار التاريخي ورعاية الموروث الثقافي والأدبي عبر النشر وتنظيم الفعاليات التي تعيد إحياء صوت الأجداد في بيئته الطبيعية الأصلية.

أين يمكن أن تسمعه وتعيشه في عُمان اليوم؟

ليس الموروث اللفظي أثراً غابراً في بطون الكتب، بل تستطيع حتى اليوم أن تسمعه ينبض بالحياة إذا قصدت الأماكن والمناسبات الصحيحة في ربوع السلطنة؛ ففي ساحات الأعياد الدينية والوطنية وأعراس القرى، تصدح حناجر الشعراء بالرزحة والعازي وتهتز السيوف والبنادق في مشهد تراثي حي يجمع الشيوخ بالشباب.

كما يمكنك معايشته في أسواق القلاع التاريخية القديمة مثل سوق نزوى وسوق الرستاق وسوق مطرح، حيث تجري المساومات الشعبية بنبرات تقليدية مأثورة تسرد جودة البضائع ومصادرها بكلمات مستعارة من قاموس الأسلاف.

وحين تزور معلماً أثرياً مسترداً بهيئته المتكاملة، فإن استماعك إلى شروحات المرشدين المحليين وقصص العائلات التي عاشت في تلك الغرف يحيل الحجارة إلى كائنات ناطقة، وهو ما ستلمسه بكل جوارحك عند زيارة متحف بيت الغشام بولاية وادي المعاول؛ حيث لا تشاهد الغرف والأدوات فحسب، بل تتعرف على الرواية الحية المرتبطة بالوزير والأديب السيد محمد بن أحمد الغشامي، وتستحضر تفاصيل الحياة الأسرية والاجتماعية التي كانت تملأ هذا الصرح شِعراً وحكمة وسكينة.

أسئلة شائعة حول الموروث الشفهي العماني وتوثيقه

ما الفرق الدقيق بين التراث المادي والتراث غير المادي (الشفهي)؟

التراث المادي يشمل كل ما هو ملموس ومبني، مثل القلاع، والحصون، والبيوت الأثرية، والأسلحة، والفضيات، والفخاريات. أما التراث غير المادي أو الشفهي فيشمل المعارف الشفوية، وفنون الأداء، والأهازيج، والأمثال، والعادات المجتمعية المنقولة عبر الأصوات والممارسات الحية دون تجسيد مادي ثابت.

هل هناك فنون شفهية عُمانية مسجلة على قوائم اليونسكو العالمية؟

نعم، نجحت سلطنة عُمان في تسجيل عدة عناصر من تراثها الشفهي وغير المادي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو، ومن أبرزها: فن العازي، وفن البرعة الظفاري، وفن الرزحة، إلى جانب عناصر مشتركة مثل المجالس العربية والقهوة والصقارة وتراث الإبل (العرضة).

ما هو فن «الميدان» ولماذا يعد صعب الفهم على غير المتخصصين؟

فن الميدان هو شعر شعبي عُماني رفيع المستوى يُبنى على التلاعب بالألفاظ عبر الجناس اللغوي التام، حيث تبدو كلمات القافية متطابقة في الرسم والحروف لكنها تحمل معاني باطنية مختلفة تماماً لا يفهمها إلا المتمرسون، مما يجعله فناً نخبواً يختبر سرعة البديهة والعمق المعجمي للشاعر والمستمع.

كيف كانت النساء يسهمن في حفظ وتناقل الموروث الشفهي العماني؟

كان للمرأة العُمانية دور محوري ورائد في صون هذا التراث؛ فهي راوية الحكايات الشعبية (الخاروفات) للأطفال، ومنشدة أغاني المهد والتهويدات، وحافظة فنون الغناء النسائي في الأعراس مثل فن «التشحشح» وفن «الدان»، فضلاً عن نقلها الشفهي لتقاليد النسيج، والخياطة، والتطريز، ومسميات الحلي والزينة التراثية عبر الأجيال.

هل تختلف الفنون والأهازيج الشفهية بين محافظات السلطنة؟

نعم، يعكس الموروث الشفهي تنوع تضاريس عُمان وثراء بيئاتها؛ فمحافظات الباطنة والداخلية والظاهرة تشتهر بالرزحة والميدان والعازي، بينما تنفرد محافظة ظفار بفنون جنوبية أصيلة مثل البرعة والنانة والهبوت والشرح، وتتميز المحافظات الساحلية بفنون البحر والنهمة، في حين تتميز البيئات البدوية بفنون الونة والطارق والتغرود.

إن العناية بـالموروث الشفهي العماني ليست مجرد ترف فكري أو حنين رومانسي إلى ماضٍ ولّى، بل هي حماية للدرع الثقافي الذي يصون الهوية الوطنية في زمن العولمة المتسارعة. وعندما تصغي بإمعان إلى قصة يرويها مسن في قرية جبلية، أو تشهد حواراً شعرياً بين فرسان الرزحة، تدرك أن هذا الوطن لم يُبنَ فقط بالحجارة والصخور الصماء، بل شُيّد بكلمات صدق حكيمة، وقصائد عزة خالدة، وقيم إنسانية نبيلة ستظل تتردد أصداؤها عبر الزمان طالما بقي في عُمان صوت يروي وينشد.

قم بتقييم المكان!

اضغط على النجوم للتقييم!

متوسط التقييم: 0 / 5. عدد التقييمات: 0

لا يوجد تقييمات حتى الآن، كن أول المقيمين.

مشاركة المقالة